الهواء الذي نتنفسه: قراءة جغرافية في الغلاف الجوي والتلوثبقلم: [د.حنان] | قسم الجغرافياكلية التربية للبنات / جامعة البصرة
في صباح الخامس من ديسمبر عام 1952، غطى ضباب كثيف مدينة لندن ولم يتبدد إلا بعد خمسة أيام. لم تكن مشكلة الضباب وحدها، بل كانت هناك طبقة من الهواء الدافئ محصورة فوق المدينة تحجز تحتها الدخان المنبعث من آلاف المداخن ومحطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم. وقد قُدر عدد الوفيات في الأسابيع التالية بحوالي أربعة آلاف وفاة، ثم رفعت الدراسات اللاحقة هذا الرقم إلى ما يقرب من اثني عشر ألف وفاة. هذه الحادثة تُعد درساً جغرافياً قبل أن تكون كارثة بيئية، حيث إن كمية الملوثات مهمة، لكن الموقع والتضاريس والظروف الجوية هي التي تقرر ما إذا كانت هذه الملوثات ستتبدد أو تتحول إلى خطر قاتل.غلاف رقيق يحمل الحياةيتكون الهواء الجاف بشكل رئيسي من النيتروجين بنسبة تقارب 78%، والأكسجين بنسبة حوالي 21%، والأرغون بأقل من 1%. أما نسبة ثاني أكسيد الكربون فهي لا تتجاوز 0.04%. ورغم ذلك، يساهم ثاني أكسيد الكربون مع بخار الماء وغازات أخرى في ظاهرة الاحتباس الحراري الطبيعية التي ترفع متوسط درجة حرارة سطح الأرض من نحو 18 درجة تحت الصفر إلى حوالي 15 درجة مئوية.يقسم الغلاف الجوي عموديًا بناءً على تغير درجات الحرارة مع الارتفاع. أقرب طبقاته إلينا هي التروبوسفير، التي تمتد حوالي 8 كيلومترات فوق القطبين، و16 إلى 18 كيلومترًا فوق خط الاستواء، وتحتوي على معظم كتلة الهواء وأغلب ظواهر الطقس. بعد ذلك تأتي الطبقة التالية وهي الستراتوسفير، التي تمتد حتى ارتفاع حوالي 50 كيلومترًا، وتضم طبقة الأوزون التي تمتص معظم الأشعة فوق البنفسجية الضارة. ثم تأتي بعد ذلك طبقة الميزوسفير، تليها الثيرموسفير.إذا قارنا سمك التروبوسفير بقطر الأرض البالغ حوالي 12,700 كيلومتر، نجد أن سمكه أقل نسبيًا من قشرة التفاحة. هذا الحيز الضيق هو كل الهواء المتاح لنا للتنفس، وهو ما يفسر قدرة النشاط البشري على تغيير تركيبة الهواء خلال قرن واحد فقط.ماذا أضفنا إلى الهواء؟كان تركيز ثاني أكسيد الكربون قبل الثورة الصناعية نحو 280 جزءًا في المليون، وتُظهر قياسات مرصد ماونا لوا في هاواي أنه تجاوز 420 جزءًا في المليون في السنوات الأخيرة، نتيجةً لحرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات.وتطلق المدن والمصانع ملوثات تمس الصحة مباشرة: الجسيمات الدقيقة (PM2.5) التي تنفذ إلى عمق الرئتين والدم، وأكاسيد النيتروجين الصادرة أساسًا عن عوادم السيارات، وثاني أكسيد الكبريت من محطات الطاقة والمصافي، وأول أكسيد الكربون. وهناك ملوثات ثانوية تتكون في الجو نفسه، أبرزها الأوزون الأرضي الناتج عن تفاعل أكاسيد النيتروجين والمركبات العضوية المتطايرة بفعل أشعة الشمس، ولذلك ترتفع تركيزاته في المدن المشمسة صيفًا.تقدّر منظمة الصحة العالمية أن 99% من سكان العالم يعيشون في أماكن يتجاوز فيها تلوث الهواء الحدود الموصى بها، وأن تلوث الهواء الخارجي والمنزلي معًا يرتبط بنحو 6.7 ملايين وفاة مبكرة سنويًا.وليس كل التلوث بشري المصدر. فالصحراء الكبرى أكبر مصدر للغبار في العالم، وتحمل الرياح غبارها عبر المحيط الأطلسي حتى حوض الأمازون. وفي منطقتنا العربية تتكرر العواصف الترابية فترفع تركيز الجسيمات العالقة أضعاف معدلاتها المعتادة، وتتسبب في إغلاق المطارات وازدياد حالات الربو.لماذا تختنق مدن وتتنفس أخرى؟قد تتساوى مدينتان في حجم الانبعاثات وتختلفان جذريًا في جودة الهواء، والعامل الحاسم هنا جغرافي.الانقلاب الحراري أول هذه العوامل. في الوضع المعتاد تنخفض الحرارة مع الارتفاع، فيصعد الهواء الملوث ويتشتت. لكن حين تستقر طبقة دافئة فوق طبقة باردة ملاصقة للسطح، تعمل كغطاء يحبس الملوثات، وهذا ما حدث في لندن.والتضاريس تضاعف أثر الانقلاب. فمدينة مكسيكو تقع في حوض مرتفع تحيط به الجبال، ولوس أنجلوس محصورة بين المحيط الهادئ وسلاسل جبلية، وفي الحالتين يجد الهواء الملوث صعوبة في مغادرة الحوض.والجزيرة الحرارية الحضرية عامل ثالث؛ إذ تختزن الخرسانة والأسفلت الحرارة، فيصبح مركز المدينة أدفأ من أطرافها الريفية ببضع درجات، وتنشأ دورة هوائية محلية تعيد الملوثات نحو المركز بدل أن تبددها.أما الرياح السائدة فتحدد من يدفع الثمن. حين تُقام المناطق الصناعية بحيث تهب رياحها نحو الأحياء السكنية، يتنفس السكان انبعاثات لم ينتجوها، ولهذا كان موقع المصنع بالنسبة إلى اتجاه الرياح من أوائل مبادئ التخطيط الحضري.تلوث لا يعترف بالحدودفي ستينيات القرن الماضي وسبعينياته لاحظ العلماء تحمّض البحيرات ونفوق الأسماك في الدول الإسكندنافية، وتبيّن أن جزءًا كبيرًا من الأمطار الحمضية هناك مصدره مداخن بريطانيا ووسط أوروبا. قادت هذه الأدلة إلى اتفاقية جنيف بشأن تلوث الهواء البعيد المدى عبر الحدود عام 1979.وتبقى قصة طبقة الأوزون أوضح مثال على قدرة العالم على إصلاح ما أفسده. فبعد رصد ثقب الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية منتصف الثمانينيات، وُقّع بروتوكول مونتريال عام 1987 للتخلص التدريجي من مركبات الكلوروفلوروكربون. وتشير أحدث التقييمات العلمية الأممية إلى أن الطبقة في طريقها إلى التعافي، وقد تعود فوق القطب الجنوبي إلى مستويات عام 1980 نحو عام 2066.أين يقف الجغرافي؟تملك الجغرافيا أدوات تضعها في قلب هذه القضية. فنظم المعلومات الجغرافية تربط خرائط التلوث بتوزيع السكان والمدارس والمستشفيات، والاستشعار عن بعد يرصد الملوثات من الفضاء؛ إذ أظهرت بيانات القمر الصناعي الأوروبي Sentinel-5P انخفاضًا واضحًا في ثاني أكسيد النيتروجين فوق مدن كبرى خلال إغلاقات جائحة كورونا عام 2020.ويطرح الجغرافي سؤال العدالة المكانية: من يسكن قرب الطرق السريعة والمناطق الصناعية؟ تُظهر دراسات عديدة أن الأحياء الأفقر هي الأكثر تعرضًا في الغالب. كما تسهم المعرفة الجغرافية في تخطيط مدن تتنفس، كما فعلت مدينة شتوتغارت الألمانية الواقعة في حوض، إذ حمت ممرات الهواء البارد النازل من التلال المحيطة ومنعت البناء فيها لتهوية مركزها.خلاصة لطلاب الجغرافيالفهم هواء أي مدينة تكفي ثلاثة أسئلة للبداية: أين تقع مصادر الانبعاث؟ وإلى أين تتجه الرياح، وماذا تفعل التضاريس بالهواء؟ ومن يسكن في مسار هذا الهواء؟ الإجابة عنها تحوّل التلوث من رقم في تقرير إلى خريطة يمكن قراءتها وتغييرها.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق